ترمب يعيد “التجارة” إلى أجندة الحوار مع الهند

شعر الهنود على مر أربع سنوات خلت أن الولايات المتحدة كانت تخشى كلمة “تجارة”. وكانت البيانات المشتركة التي تصدر بعد اجتماعات القمة تدفن الأمور المتعلقة بالتجارة في أسطرها الأخيرة، كما كان المسؤولون يتجنبون موضوعها في المؤتمرات الصحفية، مفضلين التركيز بدلاً من ذلك على أمور خفية نسبياً مثل التعاون الفضائي.
سواء كان ذلك أفضل أو أسوأ، لكن غالب الأمر أفضل، فقد تغير هذا في عهد الرئيس دونالد ترمب. كان الخبر الكبير من اجتماعه مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي في 13 فبرابر هو التزام الزعيمين بالتفاوض على الشريحة الأولى من اتفاقية التجارة “المفيدة للطرفين” بحلول الخريف.
كان طلب “اتفاقية التجارة الحرة” بدلاً من مجرد “اتفاقية تجارية” ليكون إفراطاً في التفاؤل، لكن هذا ما يزال خطوة إلى الأمام لعلاقة اقتصادية كانت، إن تلطفنا في وصفها، راكدةً. وهذا أمر مهم لا يقتصر على الهند، إذ سينشط صناع السياسات من جميع بلدان منطقة المحيطين الهندي والهادئ، الذين ما عادوا يناقشون الحصول على مدخل إلى سوق الولايات المتحدة.
لكننا لا نعرف بعد ما قد يتضمنه مثل هذا الاتفاق، وما إذا كان أي من الجانبين يستطيع حالياً التفاوض على شيء مهم في مثل هذا الجدول الزمني الضيق. إننا نعلم أنه في الأشهر الأخيرة من حكم ترمب، اعتقد الهنود أنهم اقتربوا كثيراً من صفقة مماثلة. لكن عندما خسر معركة إعادة انتخابه، استبعدوا امكانية التوصل إلى اتفاق. إذا استأنف الجانبان من حيث توقفا في 2020، فإن الجدول الزمني الذي يحدد الخريف هدفاً لا يبدو مستحيلاً.
يعتقد ترمب، كما نعلم جميعاً، أن أميركا لم تكسب الكثير من التجارة. قبل أن يلتقي مودي، حذر من أن الهند من بين الدول الأعلى من حيث الرسوم الجمركية في العالم، وحدد خطة لفرض رسوم متبادلة على جميع شركاء الولايات المتحدة.
لكنه على استعداد للتفاوض بشأن إتاحة الوصول إلى السوق، فيما لم يكن سلفه كذلك لأن إدارة بايدن اعتقدت أنها بحاجة إلى إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، بينما ما يريده ترمب هو مجرد صفقة أفضل ليرضي عبرها ناخبيه. أحدهما ذو طموح واقعي، والآخر واهم.
الهند ترفع واردات النفط والغاز الأميركية لتجنب الرسوم الانتقامية
إن الشعبويين المندفعين يجدون عقد الصفقات أسهل من الساسة الذين يسعون إلى نوع من إطار إيديولوجي أو مبرر لقراراتهم. ينظر قادة مثل ترمب أو مودي أولاً إلى التأثير الشعبي الفوري للإعلانات السياسية. إنهم لا يرون أي حاجة للحذر أو الاستمرار في مماشاة نهجهم.
إن حكمنا تأسيساً على رد الفعل الأولي في الهند، فإن جمهور مودي لا يهتم إذا خفضت البلاد الرسوم الجمركية، إذ إن ناخبيه أشد اهتماماً بمكافحة الإرهاب والدفاع. وسيركزون، على سبيل المثال، على أخبار مثل أن ترمب ربما يسلم مواطناً كندياً محتجزاً في سجن أميركي بتهمة التورط في الهجمات الإرهابية في مومباي في 2008. أو أن الولايات المتحدة ستزيل العقبات الإجرائية أمام شراء الهند طائرات ”إف-35“ القتالية على الرغم من أن نيودلهي بالتأكيد لا تملك المال راهناً لشراء مثل هذه الطائرة مرتفعة الثمن. عبر منح مودي هذه الانتصارات الكبيرة دون أن يتحمل تكلفةً، يخلق ترمب مساحة للهند للتنازل بعض الشيء في مجال التجارة.
من الناحية الموضوعية، تُعد الهند الشريك المثالي لترمب: فهي تعاني أقل من نظيراتها من الرسوم الجمركية الشاملة التي قد تفرضها الولايات المتحدة، ولديها أكبر مجال لخفض الرسوم الجمركية التي تفرضها على السلع التي يهتم بها ترمب، من السيارات إلى المنتجات الزراعية.
في الواقع، بدأت نيودلهي بخفض الرسوم الجمركية. وعكست الميزانية الاتحادية التي أُعلن عنها في وقت سابق من هذا الشهر اتجاهاً دام سنوات نحو الحماية من خلال خفض الرسوم الجمركية المتوسطة بقدر نقطة مئوية. برر المسؤولون ذلك بالقول إن الاستسلام لجماعات الضغط المحلية الساعية إلى الحماية من شأنه أن يؤدي إلى عدم كفاءة في قطاع التصنيع.
لكن هذا التحول في السياسة كان، إلى حد كبير، من تأثير ترمب. كان ذلك واضحاً من القطاعات المحددة التي تراجعت فيها الرسوم الجمركية. لقد كشفت حكومة الهند اللعبة عندما سلطت الضوء على حقيقة أن الرسوم الجمركية على واردات الدراجات النارية قد خُفضت. ولطالما كان ترمب مهووساً بالرسوم التي تدفعها دراجات ”هارلي ديفيدسون“ لتدخل السوق الهندية.
الهند تخطط لدعم بـ3 مليارات دولار وتخفيضات جمركية لقطاع الإلكترونيات
ربما أسدى ترمب خدمة للهنود. إن التراجع عن تحول هذا البلد نحو الحمائية التجارية أمر طال انتظاره. فقد منعت الرسوم الجمركية المرتفعة وغير المتسقة المنتجين الهنود من دخول سلاسل التوريد العالمية. في الوقت نفسه، يستمر نمو الواردات من الصين، وهي نقطة الضعف الرئيسية التي أراد المسؤولون معالجتها من خلال الرسوم على الواردات. وتأتي القوة الاقتصادية من تحسين الإنتاجية وزيادة القدرة التنافسية، وليس من خلال الانعزال عن العالم.
قد تكون أهمية هذه الحقائق ضئيلةً لدى ترمب ومودي، اللذين يبحثان فقط عن فوز سريع عندما يوجهان مسؤوليهما للتفاوض على اتفاقية تجارية جديدة. لكن هذا لا يجعلها أقل صدقاً. لقد أعادنا الشعبويون إلى الحديث عن التجارة مرة أخرى، وهذا أمر جيد.